وهبة الزحيلي

112

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وهذا دليل على اعتبار الكتابة في أدلة الإثبات ، وعلى أنها مطلوبة في القليل والكثير إلى أجل الحق ، أي وقت وفائه الذي أقر به المدين . ثم بيّن اللّه تعالى الحكمة من الأوامر والنواهي المتقدمة ، وهو أن ذلك البيان الذي أمر به القرآن من الكتابة والإشهاد أعدل في إصابة حكم اللّه تعالى ؛ لأنه يكون إلى الصدق أقرب وعن الكذب أبعد ، وهو أيضا أحرى بإقامة العدل بين المتعاملين ، وأعون على أداء الشهادة على وجهها الصحيح ، وأقرب إلى إزالة الشكوك في تعيين جنس الدين ونوعه وقدره وأجله ، فهذه مزايا ثلاث تؤكد العمل بكتابة الدين . وهذا يدل على أن للشاهد طلب وثيقة الدين المكتوب ليتذكر وضعه . ثم خفف القرآن من قيد المطالبة بالكتابة أخذا بما تقتضيه ظروف التجارة من حرية وحركة وسرعة ، فأبان أن الكتابة مطلوبة إلا إذا تمت مبادلة العوضين في التجارة وقبضهما في الحال ، فلا داعي للكتابة ، ولا حرج ولا إثم في تركها حينئذ ، إذ لا يترتب عليها شيء من التنازع والتخاصم ، وهذا يدل على أن الإسلام متمش مع الواقع ، متجاوب مع ما تقتضيه المعاملات من تطور وسرعة ورعاية مصلحة . وإذ لا بأس من عدم الكتابة في التجارة الحاضرة أو التعامل يدا بيد ، فيطلب الإشهاد على التبايع ؛ لأن اليد الظاهرة التي تحوز الشيء قد لا تكون محقة ، فيحدث النزاع والخلاف ، فكان الإشهاد أحوط ، ويكفي . أما المعاملات والديون المؤجلة والسّلم فتجب كتابتها ؛ لأن مرور الزمان قد ينسي بعضها ، فيقع التنازع . والمبدأ الواجب اتباعه في علاقة الكاتب والشاهد بالمتعاملين هو عدم المضارّة ، فلا يجوز لهما إلحاق ضرر بأحد المتعاملين أو كليهما بزيادة أو نقص أو